كيف يدير باسيل أخطر معارك التيار بالأرقام؟
مع اقتراب الاستحقاق النيابي، يخوض التيار الوطني الحر واحدة من أكثر معاركه الانتخابية تعقيدا منذ تأسيسه. معركة لا تُدار بالشعارات ولا بالعاطفة، بل بالأرقام الباردة، وبحسابات دقيقة يعرف رئيس التيار النائب جبران باسيل كيف يتقنها ويُديرها بهدوء لاعب شطرنج يسبق خصومه بخطوتين. فالانتخابات بالنسبة إلى باسيل ليست مواجهة سياسية فقط، بل اختبار بقاء وتموضع في اطار النظام الجديد الذي ينشأ مع التغيرات في المنطقة.
يقدّم التيار نفسه اليوم كقوة معارضة للسلطة، لكن من دون الوقوع في فخ العزلة. باسيل يدرك أن السياسة اللبنانية لا تُدار بالقطيعة الشاملة، لذلك يعتمد مبدأ التعاون على القطعة. باستثناء القوات اللبنانية التي تخوض مواجهة مفتوحة مع التيار، لا يمانع باسيل التحالف مع أي طرف إذا تقاطعت المصالح الانتخابية. هو يقف نظريا على مسافة واحدة من الجميع، لكنه عمليا يدخل إلى أي حلف عندما تخدمه الأرقام، في مقاربة براغماتية تثير امتعاض خصومه وتربك حلفاء الأمس.
داخليا، يواجه التيار تحديا بالغ الحساسية في الدوائر التي يُفترض أنها خزّانه الانتخابي: المتن، بعبدا، جبيل، وصولا إلى عكار. هنا، لا تكمن المعضلة في حجم التأييد، بل في اختيار المرشح القادر على حصد الصوت التفضيلي الأعلى. باسيل يدرك أن الخطأ في الاسم قد يطيح بالمقعد، لذلك يتعامل مع الترشيحات بعقلية صارمة: استطلاعات رأي، قراءة مزاج الشارع، حساب التركيبة العائلية والمناطقية، ثم قرار نهائي لا مكان فيه للمجاملات. الرجل يريد أن يربح، لا أن يرضي.
التحدي الأخطر ربما يتمثل في تداعيات خروج عدد من نواب التيار السابقين وتحوّلهم إلى حالات مستقلة في دوائرهم. هؤلاء لا يواجهون التيار من خارجه، بل من داخله، مستفيدين من رصيده الشعبي والتنظيمي. في بعبدا يبرز ألان عون، في المتن إبراهيم كنعان، وفي جبيل سيمون أبي رميا، كخصوم يمتلكون حيثية وتحالفات وقدرة على تجيير الصوت التفضيلي. هنا المعركة ليست سياسية فقط، بل نفسية وتنظيمية، عنوانها: من يملك القاعدة ومن يستطيع الإمساك بها يوم الاقتراع.
خارجيا، يلعب باسيل ورقة التحالفات بمرونة عالية. في الشمال الثالثة، تتقدم الاتصالات بين التيار الوطني الحر والمردة والحزب القومي، حيث تفرض المصالح الانتخابية منطقها، ويصبح الصوت الشيعي عنصرا حاسما في رفع الحواصل. وفي كسروان وجبيل وسواها، ينطلق باسيل من قراءة واضحة: مصلحة حزب الله تقتضي التفاهم مع التيار في الدوائر ذات الثقل الشيعي، لأن تمرير الأصوات للتيار يبقى السدّ الانتخابي الأبرز في وجه تمدد القوات اللبنانية مسيحيا. من هنا، تجري اتصالات هادئة وبعيدة عن الإعلام للتحالف في الجبل والبقاع والجنوب، وفق خرائط انتخابية يقرأها كل طرف وفق مصلحته.
هذا التموضع الانتخابي لا ينفصل عن خطاب سياسي تصعيدي يعتمده باسيل. من تحديه العلني بالمناظرة والمحاكمة الإعلامية في ملفات الفساد، إلى انتقاده أداء الحكومة في إعادة الإعمار والودائع والنازحين، وصولا إلى مقاربته المعقّدة لملف سلاح حزب الله والاستراتيجية الدفاعية، يسعى باسيل إلى تثبيت صورة التيار كقوة معارضة تعرف ماذا تريد، لا تكتفي بالرفض بل تقدّم رواية مضادة.
يدخل التيار الوطني الحر هذه الانتخابات كمن يخوض معركة وجود لا مجرد سباق مقاعد. جبران باسيل يعرف أن أي خلل في الحسابات قد يكلّفه كثيرا، لكنه في المقابل يراهن على خبرته الانتخابية، وعلى شبكة تحالفات مرنة، وعلى قرار حاسم لا يتردد في كسر المحرمات. إنها معركة شدّ حبال قاسية، عنوانها الأبرز: من يملك القدرة على قراءة الأرقام يملك القدرة على البقاء في قلب اللعبة اللبنانية.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|